بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

23 سبتمبر 2019

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

المقالات

رقعة الشطرنج الفارغة!

120 مشاهدة

17 اغسطس 2019
بقلم : د. ايريني ثابت


كانت الساعة لم تتجاوز العاشرة صباحًا وأنا أجتاز الجامعة متمهلة، فمحاضرتى اليوم تبدأ فى الحادية عشرة.. ماذا لو ذهبت إلى منطقة (الكافيهات) وجلست قليلاً لأشرب القهوة؟
بمجرد أن دخلت المنطقة التى تتبارى فيها رائحة القهوة مع كل الروائح الأخرى فتهزمها، رأيت ذلك الكافيه الذى بدا لى غريبًا.. لم ألحظه من قبل مع أننى أرتاد المنطقة كثيرًا.. هل أجربه؟ يبدو نظيفًا وأنيقًا.. ذهبت دون تردد.. اخترت كعادتى منضدة جانبية تمكننى من بعض الانعزالية وتمنحنى فرصًا أدنى لمقابلة طلابى.. لا لشىء إلا لأننى أستمتع باحتساء القهوة أكثر لا حين أتكلم، بل حين أتمكن من مراقبة الآخرين وسلوكياتهم وتعليقاتهم وبخاصة أنهم كلهم من جيل الشباب غالبًا وهو ما أهتم به وبمعرفة أحواله على الطبيعة لا داخل المحاضرة.
كان مكانًا أنيقًا وبه عدد كبير من الطلاب والطالبات حتى إن معظم مناضده كانت مشغولة.. وجدت مكانًا مناسبًا.. جلست وجاءنى شاب مهذب سألنى عما أطلب.. طلبت.. وانتظرت.. وفى أثناء انتظارى تلفتُّ حولى لأجد ديكور الكافيه غريبًا بعض الشىء.. فقد تداخلت فيه رسوم مجسمة على الحوائط تجسد لعبة (الشطرنج) ولعبة (الطاولة) وأوراق (الكوتشينة).. معقول هذا الذى أراه؟ لم يعد أحد يلعب فى الكافيه كما كان الأجداد يلعبون فى القهاوى تلك الألعاب القديمة التى عفى عليها الزمن!
قبل أن أتمادى فى تساؤلاتى سمعت صوت الزهر ورائى.. أدرت رأسى قليلاً فوجدت شابين يلعبان (محبوسة)!! على ما أتذكر كان هذا اسمها.. وعند أقصى يمينى كانت هناك مجموعة من الشباب والشابات يلعبون بأوراق الكوتشينة ويضحكون على (الشايب) أو الذى التقط ورقة الشايب.. صحيح أن الآخرين كانوا يمسكون كل بموبايله أو يتحدثون لبعضهم البعض دون أن تتلاقى أبصارهم كما هى العادة الآن، إلا أن الألعاب القديمة جعلتنى أتأكد أن هذا المكان أو الكافيه يتخذ من هذه الألعاب سمة مميزة له.. والدليل أنها مرسومة على حوائطه.. اكتشاف جيد.
جلس شابان حول المنضدة الجانبية التى تلى منضدتى.. وطلبا نسكافيه و(شطرنج) من رجل متوسط العمر.. وبعد قليل أحضر لى الشاب المهذب قهوتى وفى الوقت ذاته جاء الرجل برقعة شطرنج للشابين وقال لهما: النسكافيه جاى حالاً.. قال أحد الشابين: طيب فين الشطرنج؟
• أهو
• لا أقصد القطع: الحصان الوزير الأبيض والأسود.. كده يعنى؟
فأجاب الرجل بأغرب إجابة لم تكن لتخطر لى على بال: لا ما هو إحنا عندنا هنا الشطرنج من غير التماثيل!
• يعنى إيه؟ أومال نلعب بإيه؟
• ما هو اللعبة دى بتجيب لنا مشاكل وخناقات طول اليوم.. وصراحة كنا بنجيبها كاملة للزباين وبعدين لما جابتلنا مشاكل كتير بطلنا نطلع التماثيل.
يبدو أننى تحركت برأسى للأمام فى استغراب شديد ولم أنتبه إلا حين قال لى الشاب الذى طلب الشطرنج: يرضيكى كده يا دكتور؟ أنا (فلان) فى سنة رابعة.. حضرتك كنتى بتديلنا (اسم المادة) السنة اللى فاتت.. صحيح أننى لم أتذكر وجه الشاب على الإطلاق ولكننى قلت له: الحقيقة أنا مش فاهمة إيه ده بالضبط.. ونظرت نحو الرجل بتساؤل!
قلت له: حضرتك دى لعبة تفكير وخطط وهدوء ليه بتقول إنها عاملة مشاكل؟ طيب ما الطاولة والكوتشينة مش شايفاهم عاملين مشاكل!
• يا دكتورة دى لعب حظ.. الورق حظ والزهر حظ.. والدنيا كلها ماشية بالحظ.. إنما الشطرنج ده بيقعدوا يلعبوه ساعتين وأكتر وساعات يتلم عليهم صحابهم يفكروا معاهم.. قال يعنى بيساعدوهم.. وتبقى شغلانة.. شوفى حضرتك – وأشار إلى الناحية البعيدة من الكافيه – أهم قاعدين قدامهم الشطرنج ومفيش تماثيل ولا لعب ولا دوشة!
نظرت ومعى الشابان وإذا بكلام الرجل صحيح ورقعة الشطرنج الفارغة أمام فتاتين صامتتين تنظران للرقعة دون أن تتكلما أو حتى تتحركا.
فى هذه اللحظة شعرت أننى من المؤكد وقعت أسيرة (الكاميرا الخفية).. وتركت الكلام للشابين وأمسكت بفنجان القهوة لأشربه فى هدوء وأرحل قبل أن تنتهى المناقشة التى صارت حادة بين الطرفين المتنازعين، وقبل أن يأتى أحدهم ليقول لنا: نذيع؟.. وعلت الأصوات: إنتو ليه مش عاوزينا نفكر؟ ليه تشجعوا لعبة الحظ وماتشجعوش لعبة الفكر؟ هنعمل إيه من غير لعيبة فى الملعب؟ فيه ماتش عبارة عن أرض الملعب والاجوان من غير لعيبة؟ مش إنتو كاتبين إن الكافيه فيه شطرنج مع الطاولة والكوتشينة؟ يعنى لو الحظ اتنين يبقى الاجتهاد والتفكير على الأقل واحد؟
لم أعد أنتظر ظهور أفراد برنامج الكاميرا الخفية.. لأننى أدركت وقتئذ فقط أن هذه ليست أصوات شباب وطلاب فى الكافيه.. بل هى أصوات اللاوعى عندى أنا.. وهنا أدركنى الصباح وكففت عن الحلم المباح وصحوت من النوم المرتاح.. كانت الساعة السابعة وما زال أمامى وقت طويل لأشرب قهوتى فى البيت وأذهب مباشرة إلى المحاضرة.
 




مقالات د. ايريني ثابت :

كلمة تساوى حياة
لماذا نُدرِّس الفكر؟
(البعيد والقريب)!
بيع عقلك: شوف الشارى مين!
لم تفهم لهجتى المصرية
انطلاق الروح
بقلم رئيس التحرير

الأفاقون!
بامتداد 365 يومًا مضت، كانت الإشارات لا تزال خافتة.. لكنها، كانت موجودة على كل حال.. يُدرك المتمرسون فى كشف «ما بين السطور&..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
طارق مرسي
ماذا يفعل الداعية «معز مسعود» بين نساء الجونة؟
د. فاطمة سيد أحمد
لا تتحدث عن الجيش.. أنت لا تعرف شيئًا
هناء فتحى
موت «مارلين»!
محمد جمال الدين
هل عندنا أحزاب؟!
اسامة سلامة
جريمة لا تسقط بالتقادم
د. ايريني ثابت
كلمة تساوى حياة
حسين دعسة
ضربات أرامكو والانتخابات الإسرائيلية
د. حسين عبد البصير
زعماء «التحرر الوطنى» فى مصر القديمة

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF