بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

14 نوفمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

وقائع «لعبة الأمم» بالمنطقة العربية: فى البدء كان البترول.. وفى الختام أيضا!

2473 مشاهدة

21 ابريل 2018
حلقات يكتبها رئيس التحرير: هاني عبد الله



فيما ذهب بعض «التقديرات الاستخبارية» الأمريكية (قبل عامين)، إلى أنّ الإجهاز بشكل كامل على تنظيم «الدولة الإسلامية فى العراق والشام» (داعش) سوف يُكلف «البيت الأبيض» خسارة استراتيجية فى مواجهة نظام «بشار الأسد».. كان أن تُرجمت تلك التقديرات إلى تباطؤ ملحوظٍ، فى تنسيق جهود «واشنطن» مع المجتمع الدولي؛ لمواجهة «تنظيم الدولة»، والسماح له بتوجيه ضربات «نوعية» تنال من قدرات نظام الأسد.
وعلى هذا.. كانت النتيجة؛ أنه فى 23 أيار/ مايو من العام 2016م، شن تنظيم «الدولة الإسلامية» تفجيرات انتحارية فى كلٍ من: «طرطوس»، و«جبلة»؛ مما أسفر عن مقتل 154 شخصًا، وجرح أكثر من 300 آخرين.. إذ كانت تلك، هى «المرة الأولى»، التى تُستهدف فيها المدينتان (الساحليتان).. ووفقًا لـ«فابريس بالنش» (Fabrice Balanche)  مدير الأبحاث فى «جامعة ليون 2» أصبح بإمكان تنظيم «الدولة الإسلامية» شن هجمات متزامنة من هذا النوع بكل سهولة.. إذ كان يستهدف «داعش» من شن تلك الهجمات، توجيه عدد من الرسائل المختلفة(1).
.. وكانت «الرسالة الأولى»، موجهة للعلويين؛ إذ أراد التنظيم أن يُبيّن للأهالى أن «نظام الأسد» لا يتمكن من حمايتهم.. ومن ثمَّ؛ هاجم التنظيم المدن الساحلية القريبة من «بانياس»، و«اللاذقية»، اللتين تسكنهما جاليات سُنيّة كبيرة.. و«الرسالة الثانية» (الأكثر أهمية)؛ كانت موجهة إلى «موسكو».. إذ إنّ «القاعدة البحرية» (الوحيدة) لروسيا فى سوريا، تتواجد بـ«ميناء طرطوس».. فى حين تقع «جبلة» بالقرب من القاعدة الجوية الرئيسية لروسيا.. أما الرسالة «الأخيرة»؛ فهى مُوجّهة إلى «الجماعات المتمردة» الأخرى.. فعلى الرغم من أن أهداف تنظيم «الدولة الإسلامية»، وأساليبه (والقول لـ«فابريس»)، تختلف فى كثير من الأحيان عن تلك التى تتبعها مختلف «الفصائل السورية» المناهضة للأسد؛ فإنه لا يزال يريد ترسيخ صورته بوصفه زعيم الحرب ضد «النظام السوري»، و«روسيا»، و«الطائفة العلوية»، أيضًا.. لذلك يسعى بكل جهد؛ لإظهار نفسه بأنه «أكثر فعالية»، و«أكثر قسوة» من «جبهة النصرة» (ذراع تنظيم «القاعدة»).. وهى الجبهة التى تنافسه - حاليًا - على هذا اللقب (2).

وفيما كان يسعى «داعش»؛ لإظهار «قوته العسكرية»، وإمكانياته «الأكثر عنفًا» على الأرض؛ كان ثمة «روافد اقتصادية» (بحسب رسميين بـ«وزارة الخزانة الأمريكية»، نفسها)، يتزايد تأثيرها، بشكلٍ لافت، بين أيادى التنظيم «الأشد وحشية».. إذ اعتبرت «الوزارة» (أى: وزارة الخزانة) أنّها تواجه تحديًا فريدًا من نوعه فى تقويض مصادر تمويل «الدولة الإسلامية فى العراق والشام» (داعش) [خاصة البترولية، منها]؛ نظرًا لقدرة «التنظيم» على تمويل نفسه، ذاتيًا.. إذ تتأتى ثروة «داعش» (بشكلٍ رئيس) عبر ثلاثة مصادر:
أولاً - «النفط والغاز» بالأراضى،  التى يُسيطر عليها.. وقد أدرّ بيع هذه الموارد نحو 500 مليون دولار، خلال العام 2015م، وحده، عبر عمليات «البيع الداخلية».
ثانيًا - «فرض الضرائب»، و«ابتزاز المواطنين»، بصفته (أى: داعش) كيانًا يمتلك الأراضي؛ إذ بلغت قيمة تلك الضرائب، والرسوم (خلال العام نفسه)، نحو 360 مليون دولار.
ثالثًا - عندما استولى «داعش» على «الموصل» بالعام 2014م؛ نجح فى نهب أكثر من 500 مليون دولار (نقدًا) من خزائن المصرف المركزى (3).
وبحسب «دانيال جليزر» (Daniel L. Glaser) مساعد وزير الخزانة الأمريكى (4)؛ فإنّ مواجهة التمويل - نظرًا لأهمية الأراضى بالنسبة لتمويل «داعش» - كان يتطلب، فى حينه، حلاً عسكريًا.. على غرار الحملة الجوية، التى أطلقها التحالف العالمى لمكافحة تنظيم «داعش»، تحت اسم: [الموجة العارمة 2]، فى نوفمبر/ تشرين الثانى من العام 2015م؛ إذ استهدفت تلك الحملة، تقويض قدرة التنظيم على استخراج «النفط»، و«الغاز»، وتكريرهما، ونقلهما.. وهى حملة، حقّقت (بحسب «جليزر») نجاحًا ملحوظًا؛ إذ قلّصت «أرباح النفط»، التى يجنيها التنظيم من الأراضى الواقعة تحت سيطرته.. وبعدما خسر «داعش» سيطرته على بعض الأراضى [ومصادر النفط، بالتبعية]، أقدم على زيادة الضرائب المفروضة على السكان المحليين.. كما شنّ «التحالف» ضربات جوية على مواقع يحتفظ فيها «داعش» بالأموال النقدية، وهو ما تسبّب فى إتلاف ملايين لا تُحصى من الدولارات (5).
وأضاف: فى حين تواصل «وزارة الخزانة» العمل عن كثب مع شركاء إقليميين؛ لضمان عدم نفاذ «داعش» إلى الأنظمة المالية: [المحلية، أو العالمية]، لا بدّ من الإشارة إلى أن النجاح العسكرى سيعزز من ضمانات هذا الأمر.. إذ إنّ فروع التنظيم (خارج سوريا والعراق)، لا تتمتع بالقدرة نفسها، على إنتاج مواردها الخاصة كما يفعل «داعش» فى معاقله الرئيسية.. فالتنظيم فى ليبيا لا يجنى الأموال من نفط البلاد؛ بل يركّز على تدمير «البنية التحتية للنفط»، بدلاً من الاستفادة ماليًا منها، كما أنّ الثروات داخل الفروع نفسها ضئيلة.. ففى حين ضمت خزائن المصرف المركزى فى الموصل - على سبيل المثال - ما اقترب من المليار دولار؛ وجدت قوات «داعش» فى «سرت» (الليبية) نحو 4 ملايين دولار فقط.. وهذه مشكلة مختلفة «بشكل نوعي».. ورغم ذلك؛ تتمكّن تلك الفروع من تمويل نفسها - إلى حدّ ما - عبر «الجرائم»، و«ابتزاز السكان المحليين»، أيضًا.. كما لا تزال تتلقى الأموال من قيادة التنظيم (6).

وفيما كانت تستعد «إدارة أوباما»؛ لتوديع المشهد (المُعقد) مع اقتراب بدايات العام 2017م؛ مثّلت «معركة الموصل» (فى نهاية العام 2016م) بداية جديدة [من الناحية الإعلامية]؛ لغسل سمعة «البيت الأبيض» استراتيجيًّا، فى سياق ما يُعرف بـ«الحرب على الإرهاب»، كتمهيد «سياسي» أمام الإدارة الجديدة.. كما أطلّت «المصالح البترولية» الأمريكية فى العراق برأسها (فضلاً عن «المنطقة» بأسرها)، من جديد، خلال «المعركة» ذاتها (!)
.. إذ عندما سقطت «الموصل»، فى يد «تنظيم الدولة» بالعام 2014م؛ مثّل هذا السقوط «قوة دفع» إضافية لـ«داعش» على مواصلة تقدمه داخل كُلٍ من: «العراق»، و«سوريا».. وبدأ التنظيم فى التمدد، بشكلٍ لافت، داخل أراضي الدولتين، كما استحوذ على ثُلث «العراق» تقريبًا فى حزيران/ يونيو من العام، نفسه.. وكان من شأن هذا التمدد أن أصبح «داعش» [بما يُسيطر عليه من أراضٍ]، خلال العامين التاليين لهذا السقوط، أقرب لـ«شبه دولة» بالفعل، إذ بات (بصفته «شبه دولة») يُمثل تهديدًا، مباشرًا، على «المصالح البترولية» الغربية، بالمنطقة العربية.. كما أدّت بعض «العمليات الإرهابية»، التى تبناها التنظيم داخل بلدان «العالم الغربي» (خلال العامين «التاليين» لهذا السقوط، أيضًا)، إلى استشعار بعض الأطراف «الفاعلة» داخل المجتمع الدولى بحالة شديدة من الحرج.. ومن ثمَّ.. كان لابد من عمل شيءٍ ما.
وعلى هذا.. كان أن قررت «دول التحالف»، الذى تقوده الولايات المتحدة الأمريكية [بالتعاون مع القوات العراقية] - مع اقتراب نهايات العام 2016م - أن تشن هجومًا «موسعًا» على معاقل «تنظيم الدولة» (داعش) فى الموصل.. خاصة أنّ الموقف من «التنظيم» - فى حد ذاته - كان قد ألقى بظلاله على العديد من السجالات، و«التراشقات الانتخابية» بين «الجمهوريين» (حملة ترامب)، و«الديمقراطيين» (حملة هيلارى كلينتون)، بشكلٍ حاد، و«مثير» فى آنٍ.. إذ وجّه - على سبيل المثال - «مايكل فلين» مدير الاستخبارات الدفاعية السابق [وأول مستشارى «ترامب» للأمن القومي] اتهامات «مباشرة» لإدارة أوباما (الديمقراطية) بالضلوع فى ظهور «تنظيم الدولة»، من حيث الابتداء (!).. وهو ما تبعه حالة من «الاهتمام الإعلامي» البالغ؛ إذ كانت تُمثل «معركة الموصل» بُعدًا [رمزيًّا] مهمًا، بالنسبة للعديد من الأطراف الدولية المشاركة بالحملة العسكرية (فضلاً عن دول المنطقة، ذاتها)، حيث كانت «الموصل»، هى «المدينة»، التى أعلن منها زعيم تنظيم الدولة (أبو بكر البغدادي) تأسيس خلافته.

ورغم تلك «الرمزية» حول أهمية «معركة الموصل»، من حيث الأصل؛ كان ثمّة بُعدٌ «استراتيجي» آخر، حاولت «إدارة أوباما» تحقيقه قبل أن تغادر «البيت الأبيض»، يتعلق باستعادة «سمعتها العسكرية» فى المنطقة؛ تأسيسًا على المعركة نفسها (!).. إذ كتب، فى هذا السياق - للمرة الثانية - السفير «جيمس جيفري»، فى أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2016م، تحليلاً مهمًا لـ (Cipher Brief)، تحت عنوان: [الموصل: معركة واحدة.. وست حملات].. وهو «تحليل» أعاد «جيفري» صياغته فى فبراير/ شباط من العام 2017م - مرة أخرى - ليتلاءم ومتطلبات «إدارة ترامب» (7).
وقال «جيفري»، الذى كان من أشد المطالبين بالإجهاز على «تنظيم الدولة»: إنّ الفوز بـ«معركة الموصل»، يُحقق نجاحًا فى ست «حملات» مترابطة، دفعة واحدة، وإن تلك الحملات «الست»، تنقسم إلى: حملتين «عملياتيتين» (Operational)، وأربع حملات «استراتيجية» (Strategic).. موضحًا أنَّ أولى الحملات «العملياتية» [العسكرية]، هى تحرير «الموصل» من قبضة «داعش» (Liberating Mosul)، وثانيتهما: هى السيطرة على «حالة الانفلات الأمني» التى ستتبع الانتصار فى هذه المعركة خلال اليوم التالى (Mosul the Day After).. وبالتالى.. فإنّ النجاح فى هاتين «الحملتين»، سيعقبه بالتبعية النجاح فى تحقيق مُستهدفات الحملات الاستراتيجية الأربع «المتداخلة» مع المعركة، وهى: استعادة السمعة العسكرية الأمريكية (Restoration of America's Military Reputation)، والقضاء على «تنظيم الدولة» (Defeating ISIS)، والمصالح «الأمريكية/ العراقية»، والموقف الرادع من «إيران» (!)
وأضاف «جيفري»: سيؤدى الانتصار فى الموصل بقيادة الولايات المتحدة إلى «الفوز» بالحملة الاستراتيجية الأولى [استعادة أمريكا لسمعتها كأكثر اللاعبين العسكريين فعالية]؛ إذ إنّ «القوة» فى حل الموقف المُعقد تبقى «الركيزة الأساسية»، التى تعتمد عليها خطوات: [دبلوماسية، وسياسية] تالية بالمنطقة، مثل: طبيعة النظام الإقليمى، والأمور المتعلقة بـ«الطاقة».. فباستثناء «الحالة الليبية»، لم تستخدم إدارة الرئيس «أوباما» القوة إلا ضد الجماعات الإرهابية، وبشكل عشوائى أحيانًا (خطة الانسحاب من أفغانستان/ رد الفعل «الشاحب» تجاه تنظيم «الدولة الإسلامية» فى البداية).. كما أنها (أى: إدارة أوباما)، لم تستطع احتواء «مطامع إيران» الإقليمية، أو تتعامل مع الرئيس السورى «بشار الأسد»، أو ترد على نحو فعال على التدخل «الروسي» فى سوريا (!)
.. وفى تحديثه [الموجه لـ«إدارة ترامب»]، بيّن «جيفرى» أنّ النجاح فى استعادة «واشنطن» لسمعتها العسكرية (8)، سيحمل إشارة واضحة على أنّ «الولايات المتحدة» عادت للعبة - من جديد - لكى تربح، بضمان «الإدارة الجديدة»، رغم أنّ الخطوات الأولى تم اتخاذها عبر «إدارة أوباما» (!).. وأن «إدارة ترامب» إذا نجحت فى سياق الحملة الاستراتيجية الثانية (أى: القضاء على «تنظيم الدولة»، ولو بشكل جزئي)، فسوف تكون بهذا قد حققت نصرًا كبيرًا فى واحدة من ثلاثة نزاعات مسلحة بالمنطقة (النزاعان الآخران: أفغانستان، وسوريا).. إذ ليس من المتوقع انتهاء «داعش» تمامًا، كما لم ينته «تنظيم القاعدة» من قبل (9).
وفى سياق الحملة الاستراتيجية «الثالثة» [الخاصة بالعراق]؛ فإنّ «معركة الموصل»، وتداعياتها (بحسب «جيفري»)، ستحدد ما إذا كانت البلاد ستبقى متماسكة أم لا؟.. إذ إن المكونات العراقية الثلاثة (أى: العرب السُّنّة، والعرب الشيعة، والأكراد)، كانت تناور بجنودها حول المدينة قبل بدء العملية (أى: عملية قوات التحالف).. وتأسيسًا على هذا الأمر؛ فإن «المعركة» ستحدد - أيضًا - دور «الولايات المتحدة» فى العراق، بعد إقصاء «تنظيم الدولة»، عن البلاد.. فالعراق [بثروته النفطية] ودستوره الحالى،  يُشكل طرفًا رئيسيًا فى أى «صراع إقليمي» (إيران، و«روسيا» من جهة.. والدول العربية السُّنية، و«تركيا»، و«إسرائيل» من جهة أخرى).. ومن هنا.. إذا حافظ العراق على تماسكه، وعلى [توازنه المزعزَع] بين إيران، والولايات المتحدة، والدول السُّنيّة؛ فإن هذا الأمر قد يُسهم فى «وقف انزلاق» المنطقة نحو كارثة [سنية/شيعية]، ويساعد أمريكا على احتواء إيران.. لكن.. إذا سقط الجنوب العراقى (الشيعي) [الغنى بالنفط] فى يد إيران، فمن شأن الحصيلة المجتمعة بين الطرفين من «نفطٍ»، و«غاز طبيعي» أن تُلقى بظلالها على نفط «المملكة العربية السعودية»، و«غازها»، أيضًا.. وأن يتسبب هذا فى إعادة تنظيم «المنطقة»، وفقًا لما تريده «طهران» (10).
ومن ثمَّ (والقول لنا) يبدو أنّ «الثروات النفطية» بالعراق [والمنطقة العربية، أيضًا]، كانت أحد «المُحفزات» الرئيسية للولايات المُتحدة على قيادة «التحالف الدولي» فى معركة تحرير الموصل.. إذ كان السيناريو «الأكثر إزعاجًا» لواشنطن، هو أن تُصبح «طهران» [الُمتحالفة مع روسيا]، هى الأكثر تحكمًا فى «ثروات المنطقة العربية البترولية».. وبالتالى.. مال «جيفري» - فى سياق حديثه عن الحملة الاستراتيجية «الرابعة» [الخاصة بإيران] - إلى إظهار «واشنطن» قوتها فى المنطقة؛ لتحجيم «النفوذ الإيراني».. إذ قال: إنّ «إدارة أوباما» لم تنخرط - من الناحية الفعلية - فى احتواء «إيران» المتحالفة، حاليًا، مع «روسيا».. إلا أنّ «إدارة ترامب» وضعت إيران [تحت الرصد]، مُعلنة أنها ستتعامل بشكل أكثر خشونة (more aggressively) مما كانت تفعله «الإدارة» السابقة.. لذا؛ يتوقف النجاح فى تنفيذ هذا الأمر - بالدرجة الأولى - على نجاح «الولايات المتحدة» فى التخلص من بقايا «تنظيم الدولة» فى العراق، وسوريا، عبر بذل مزيد من الاهتمام للتحدى الاستراتيجى الأول (أى: استعادة سمعة «واشنطن» العسكرية).. إذ ستعتبر «إيران» هى الفائزة، إذا لم تستطع «الولايات المتحدة» الاحتفاظ بتأثيرها «السياسي»، وحضورها «العسكري»، فى كُلٍ من: العراق، وسوريا (!).. فإذا لم تستطع «واشنطن» تحقيق هذا الأمر؛ فإن الفوز بـ«معركة الموصل» [ومن بعدها: الرقة]، سوف يولد - ببساطة - ردود أفعال «جهادية»، و«داعشية»، من شأنها أن تجعل «المنطقة» فى وضع أسوأ مما هى عليه(11).

وفى الحقيقة.. لم يكن ما نبَّه إليه «جيفري» حول ضرورة التواجد العسكرى الأمريكى، وفرض «واشنطن» لإرادتها السياسية، فى كل من: العراق، وسوريا؛ للحفاظ على مصالحها، ومصالح شركائها «النفطية» بالمنطقة العربية، هو كل ما بدا على السطح، وقتذاك.. إذ يُمكننا رصد «التوجه» ذاته بعدد [كانون الأول/ديسمبر 2016م] من فصلية «ديفينس دوسيي» (Defense Dossier)، التى يصدرها «مجلس السياسة الخارجية الأمريكي» (أى: العدد الصادر قبل أن يتسلم «ترامب» الإدارة مباشرة).. وهو عدد تعرض بالتشريح [فى خمس دراسات مختلفة] لما تم وصفه بـ«الطبيعة المُتغيرة» للتطرف الإسلامى، وما يفرضه من تحديات فى «الشرق الأوسط» وخارجه، بدءًا من «الحرب السورية» وانعكاساتها العالمية.. ومرورًا بمستقبل «الحرب على الإرهاب»، والاستراتيجيات والارتباطات الأمريكية فى الشرق الأوسط، وكيفية مواجهة المُهددات التى يتعرض لها «الأمن الوطني» الأمريكى.. وانتهاءً بكيف يُمكن للولايات المتحدة، و«حلفاؤها» هزيمة «تنظيم الدولة»، والمتطرفين الآخرين فى سياق «حرب الأفكار»، أيضًا.
.. وكان من بين ما شملته موضوعات العدد، مقالٌ مُهمٌ فى مضمونه، حمل عنوان: [إعادة النظر فى التدخل العسكرى الأمريكى فى الشرق الأوسط]، كتبه «مايكل آيزنشتات» (Michael Eisenstadt)، لم تبتعد بدايته عما نبهنا إليه عن تأثير «الثروات البترولية العربية» على توجهات السياسة الأمريكية بـمنطقة الشرق الأوسط.. إذ استهله «آيزنشتات» بعبارة تقول: [ربما يكون الشعب الأمريكى قد سئم من «الحروب»، التى لا تنتهى أبدًا، فى «الشرق الأوسط».. إلا أنّ المصالح الحيوية للولايات المتحدة تتطلب استمرار تدخلها العسكرى فى المنطقة.. فاحتياطيات المنطقة الهائلة من «النفط»، و«الغاز»، تُعتبر أساسية من «الناحية الاقتصادية» لشركاء تجاريين رئيسيين.. ومن ثمَّ؛ فإن تجاهل دورها على صعيد الانتشار، وكمصدر للاضطرابات و«التطرف العنيف»، و«الإرهاب»، على مسئولية المرء الشخصية.. فمنذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر؛ تعلمت «الولايات المتحدة» درسًا صعبًا، مفاده: إن ما يحصل فى «الشرق الأوسط»، لا يبقى محصورًا فيه] (12).
وأضاف: من هذا المنطلق، يتعين على «صُنّاع السياسة» الأمريكيين (فى ظل الانتشار القائم للإرهاب بالمنطقة)، إعادة تقييم وترتيب الأمور [بما فيها التدخل العسكرى فى المنطقة]؛ بما يُعزّز المصالح الأمريكية فى جزء من العالم، لا يزال يكتسى أهمية حيوية بالنسبة لبلادهم.. وهو ما يعنى تطوير فهم «أفضل» لثقافة المنطقة، وسياستها.. إذ غالبًا ما تتدخل دول الشرق الأوسط فى شئون بعضها البعض، وتسير مع التيار (بمساعدة قوى خارجية، عمومًا) بهدف منع الأعداء من دمج نجاحاتهم العسكرية، ومنع بروز «قوة إقليمية» مهيمنة.. خاصة بعد أن فاقمت انتفاضات «الربيع العربي» من هذه الميول [فضلاً عن ازدياد عدد الدول الضعيفة، والمتعثرة فى أعقابها].. مما سمح للجماعات الإرهابية على غرار تنظيمى: «الدولة الإسلامية»، و«القاعدة» بالتمركز فى مساحات لا تخضع لسيطرة الدولة، وأتاح لدول عربية ناشطة حديثًا مثل: المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر (فضلاً عن قوى غير عربية مثل: تركيا، وإيران، وروسيا) التدخل فى الصراعات بجميع أنحاء المنطقة، إذ أصبحت الصراعات أكثر تعقيدًا وتداخلاً.. مما أدى إلى بروز «نظام صراع إقليمي» يمتد من جنوب الصحراء الإفريقية الكبرى إلى «جنوب آسيا»، تنتقل فيه «الأسلحة»، و«المقاتلون الأجانب»، و«التكتيكات»، و«التقنيات»، والمحاربون من صراع إلى آخر.
.. ولهذا السبب، يتعيّن على صُناع السياسة الأمريكية التخلى عن «أيديولوجية الحل» (أى سعى الولايات المتحدة «الواهم» لحل مشاكل الشرق الأوسط)، وخفض توقّعاتهم فيما يتعلق بالإنجازات، التى قد تحققها التدخلات العسكرية فى المنطقة، لا سيما ضد «الشبكات الإرهابية»، و«المتمردة».. إذ نظرًا للزخم الذى يدعم أعمال العنف، لا يُمكن حل معظم الصراعات فى الشرق الأوسط [بل إدارتها فقط]، على الأقل فى الوقت الراهن (!).. ومع ذلك.. يُمكن أن يخلق هذا الوضع فُرصًا للولايات المتحدة؛ لتقويض «إنجازات خصومها»، إذا أرادت ذلك.. إذ سيكون هناك دائمًا أطراف «متعثرة» [تبحث عن رعاة أجانب] (!).. وسعيًا لتحقيق ذلك (فى منطقة غير ذاتية التنظيم)، على الولايات المتحدة التعاون مع «شركاء محليين» ضد خصومها، كما فعلت ضد الاتحاد السوفيتى فى الشرق الأوسط خلال السبعينيات، وفى أفغانستان فى ثمانينيات القرن الماضى (13).. لكن.. لم يكن هذا هو كل ما جاد به «العقل الأمريكي» خلال المرحلة الانتقالية بين إدارتى: «أوباما»، و«ترامب»، [فضلاً عن الفترة التالية لها].. إذ كان ثمة العديد من الأفكار «المطروحة»، حول كيفية تعامل القادم الجديد للبيت الأبيض، مع «إرثه» داخل المنطقة (!)

وعبر شواهد لاحقة.. لم تكن آليات تعامل القادم الجديد للبيت الأبيض (أى ترامب)، مع «إرثه» داخل المنطقة العربية (خلال عامه الأول) بمعزل عن النظرة «الاستنزافية» ذاتها للموارد والثروات الطبيعية بـ«الشرق الأوسط».. إذ لم تنته [جرائم تمثال الحرية].. وهو ما يُحتمل أن يكون له معه وقفة تالية (بدراسة جديدة).
(1)- Fabrice Balanche, «The Islamic State Is Targeting Syria's Alawite Heartland - and Russia», May 24, 2016. Policy Alert, (Washington institute).
(2)- Ibid.
(3)- Daniel L. Glaser, «The Evolution of Terrorism Financing: Disrupting the Islamic State», Washington Institute, Oct. 21, 2016. Available at:
http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-evolution-of-terrorism-financing-disrupting-the-islamic-state
(4)- كان «جليزر» يشغل، وقتئذ، موقع مساعد «وزير الخزانة» الأمريكى، لشئون الإرهاب، بمكتب وزارة الخزانة للاستخبارات المالية، وشئون الإرهاب.
(5)- Daniel L. Glaser, Op.Cit.
(6)- Ibid.
(7)- James Jeffrey, «Mosul: One Battle, Six Campaigns for the Trump Administration», Feb.22, 2017, Cipher Brief. Available at: https://www.thecipherbrief.com/article/middle-east/mosul-one-battle-six-campaigns-trump-administration-1089
(8)- Ibid.
(9)- Ibid.
(10)- ملحوظة: تم حذف الأجزاء الخاصة بـ«الجوانب البترولية» من التحليل [المُحدّث]، المنشور فى فبراير من العام 2017م (!).. لكن؛ يُمكن مراجعة مضمونها من خلال «الترجمة»، التى نشرها «معهد واشنطن» للنص [الأول] على الرابط التالى:
http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/one-battle-but-six-campaigns
(11)- James Jeffrey, Ibid.
(12)- Michael Eisenstadt, «Rethinking American Military Intervention in the Middle East», Defense Dossier [Issue 18]. DEC.2016,(PDF). P 12. Available at:
http://www.afpc.org/files/defense_dossier_december_issue_18.pdf
(13)- Ibid. 


بقلم رئيس التحرير

عودة المؤامرة!
كما للتاريخ أحكامه، فإن للتاريخ – أيضًا – إشاراته، ودلالاته.. تقول الحكاية: إنه خلال عصر الإصلاحات الأخير، فيما عُرف..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
رشاد كامل
ذكريات عبدالرحمن الشرقاوى التى لم يكتبها!
محمد جمال الدين
بائعة الخضار والمسئول!
اسامة سلامة
أين مفوضية القضاء على التمييز؟
د. فاطمة سيد أحمد
السيسى يصرف لنفسه (توجيه)
عاطف بشاى
الذين يملكون صكوك التفويض الإلهى
د. حسين عبد البصير
عندما استعادت البشرية ذاكرتها
طارق مرسي
حلوه يا بلدى
سمير راضي
جولة فى عقول الميادين!
حسين معوض
مصانع «أرض الخوف».. العتوة وتوابعها
مصطفي عمار
حرب الأجور المقدسة!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF