بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

23 فبراير 2019

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

الوجه القبيح لـ«دعاة السوبر ماركت»

170 مشاهدة

9 فبراير 2019
كتب : عبدالله رامي



ربما كان من باب الصدفة تسمية أكثر أنواع الحرابى (جمع حرباء) قدرة على التلوّن بـ«الحرباء المحجبة» وذلك نظرا لكونها الأقدر على الانتشار والتكيُّف فى بيئات متعددة..  وقد كان العرب إذا أرادوا وصف تحايل أحد الأشخاص قالوا «تلوّن كالحرباء».

فى كتاب «دعاة السوبر ماركت.. الجذور الأمريكية للدعاة الجدد» للكاتب الصحفى وائل لطفي، الصادر مؤخرًا عن دار العين للنشر، والذى يمكن اعتباره الجزء الثانى لكتابه «الدعاة الجدد 2005»، يرصد تلوّن أصحاب الخطاب الدعوى الجديد الذى جاءوا من خارج إطار المؤسسة الدينية الرسمية وخرجوا على الناس بمظهر مختلف عن شيوخ السلفية لكنهم تبنوا نفس الرؤى والأفكار الراديكالية، وتتبع لطفى مسار الظاهرة بحثا فى جذورها الغربية إضافة لظروف المجتمع التى أدت لانتشارها، علاوة على كشف قدراتهم الحربائية على التأقلم مع متغيرات الواقع السياسى والاجتماعى.
يقطع المؤلف فى مقدمة الكتاب الطريق على كل من يحاول اتهامه بسوء النية أو وصف خطابه بأنه نقد (لأجل النقد فقط) لكل ما هو دينى أو إسلامى على وجه الخصوص لكنه ببساطه يحاول الإجابة عن التساؤلات التى تتعلق بمستقبل «ذلك النمط الجديد من الدعوة، وهل يمكن تحولها لحركة إصلاح دينى حقيقى تتجاوز حداثة الشكل والمضمون أم يظل مجرد تغيير شكلى ذى أهداف تجارية غرضه تحويل الخطاب الدينى لمنتج يتم تسويقه وجنى العائدات من ورائه؟».
فى البداية يحاول وائل لطفى فهم الظروف الاجتماعية التى مهدت الطريق أمام ذلك الشكل الجديد للدعوة من تحقيق جماهيرية عالية، ويعتبر أهمها ثورة وسائل الاتصالات الحديثة التى أدت لزيادة الشريحة التى يخاطبها رجل الدين بعد أن كان لا يقدر على التأثير سوى فى الحضور أمامه إلى ملايين من المتابعين على الفضاء الإلكترونى.
ليس هذا السبب الوحيد، لكن الفراغ السياسى والثقافى الذى أصاب الطبقة الوسطى بعد هزيمة 67 ووفاة جمال عبدالناصر، إذ كانت قبل ذلك عنصرًا مهمًا فى صناعة السياسة ونقد ما يدور حولها من أفكار، لكن ما أصابها من إحباط جراء النكسة مهد الطريق أمام الخطاب الذى يتبناه التيار الدينى بكل ما يحمل من أفكار رجعية (بدعوى أن الهزيمة كانت نتيجة البعد عن الدين).  
ساعدت تلك الحالة الاجتماعية على أن يأخذ الخطاب الدينى أشكالًا متعددة، فكان الخطاب السلفى شديد اللهجة الذى يرى أن التغيير يبدأ من الشريحة الأكبر(الناس) أولًا باعتبارهم الأغلبية الكافرة التى وجب عودتهم لقواعد الدين الصحيحة وساعد الظرف السياسى وقتها فى انتشارهم على المنابر وفى الزوايا وحلقات العلم الشرعى (كما سموها)، لكن سرعان ما رفضت الجماهير ذلك الخطاب المتشدد بوجوهه المتجهمة.
وهنا فُتح الطريق أمام خطاب جماعة الإخوان الأكثر تنظيمًا والأقل حدة، وذلك لأن الإخوان كانوا مقتنعين (عكس السلفيين) بأن التغيير يبدأ من السُلطة، وبذلك جعلت من الجماهير وسيلتها فى الوصول لكرسى الحكم (لذلك الفرق بين الخطابين فى طريقة الدعوة وليس فى منهجها).
منهج الجماعة يبدو جليًا فى كتاب «مذكرات الدعوة والداعية» لحسن البنا،  إذ اعتمدت الجماعة على امتلاك  أنشطة اقتصادية متعددة لتحقق استقلالاً ماديًا يمكنها من تمهيد الطريق أمام دعوتها الجديدة، فكانت المعسكرات والندوات لتربية النشء (من الشباب والزهراوات) وأيضًا كانت الدروس فى المساجد بجداول تحدد موضوعها وصل الأمر إلى إنشاء مساجد باسم الإخوان، إلى جانب عديد من النشاطات (من عيادات خيرية ومسابقات لحفظ القرآن الكريم) والتى حاولت الجماعة من خلالها أن تملأ الفراغ الاجتماعى الذى تركته الدولة.
ليس غريبًا إذن أن أغلب بل كل «الدعاة الجدد» خرجوا من عباءة ذلك الخطاب (الإخوانى) الأقرب لهوى الجماهير، حتى وإن قرروا التنصل منه بعد ذلك نتيجة تغيير الظرف السياسى ورغبتهم فى الاستمرار.
يمد الكاتب الخط على استقامته بين الشرق والغرب، ليضع أمام أعيننا ذلك الخيط الرفيع الذى يربط بين المنهج المُتبع لدى «الدعاة الجدد» وبين شبيهه فى الدعوة البروتوستانتية باعتبار أن  «الأزهر  والمؤسسة السلفية فى حالتنا يلعبان نفس دور الكنيستين الكاثولكية والإنجيلية» التى انقلب عليها الخطاب البروتستانتى من حيث المظهر بارتداء زى الجمهور وبلغة أقرب له بدلًا من الزى الكهانوتى والحديث اللاهوتى المعقد على الجمهور.
كان خطاب «بيلى جراهام»، أول من نقل الدعوة من الكنيسة للتليفزيون، البرهان الأكبر على تلك الصورة الجديدة للخطاب البروتستانتي، الدافع السياسى أيضا ساعده أن يكون مؤثرًا فى الملايين، إذ رآه أحد مالكى القنوات أثناء إلقائه محاضرة فى مدينة لوس أنجلوس فقال «انفخوا هذا الرجل» وبذلك كان ما يحدث عندنا جزء من صورة التغيير فى العالم ولكن مع إختلاف التوجهات والأغراض.
يضم الكتاب حوارًا مطولًا وكاشفًا مع عمرو خالد (أبرز الدعاة الجدد) يرى فيه أنه لم يكن مخطئًا فى تأثره بالإرهابى وجدى غنيم مبررًا «كنت أراه وحوله نخبة المجتمع ومسموح له بكل شىء..فلماذا أبتعد عنه»، وهو بالمناسبة (وجدى غنيم) أول من قدمه كداعية فى المساجد, الإجابة تكشف ما الذى كان يجول فى خاطر الداعية «الصغير» وقتها إذ أن رغبته فى الاقتراب من غنيم كان طموحًا فى الاقتراب من تلك الطبقة ورغبة فى الاستحواذ على الأضواء.
رغبة «عمرو» فى الاستمرار جعلته يتنصل من أستاذه بل ومن جماعة الإخوان كلها عند أول منعطف، فقد نفد صبر غنيم سريعًا من تلك الطريقة المهادنة فى الدعوة وخرج يعلن تأييده لتنظيم داعش فى مواجهة الغرب الكافر ومرة أخرى خرج يُكفّر الرئيس التونسى بسبب مشاريع قوانين الأحوال الشخصية، هُنا تفوق التلميذ على الأستاذ فى الصبر والتأنى فى الكشف عن أفكاره, لكن علينا أن نجزم بأن المنهج واحد.
ردًا على سؤال الكاتب عن صحة المنشور فى تقرير موقع BBC بحصولة على 47 مليون استرلينى كدعم من صندوق دعم الفرص بالخارجية البريطانية لجمعيات «صناع الحياة»،يرد «لو معنا 47 مليونا كانت صناع الحياة كسرت الدنيا، أو سرقتهم وتحولت لملياردير»!
يرى خالد أيضًا أن طموحه إلى امتلاك المال واجب لا يقبل المزايدة إذ استعاذ النبى صلى الله عليه وسلم من الكفر والفقر، لكنه ربما نسى أو تناسى أن الدعوة  ليست سلعة أو دربًا من دروب التجارة.
مصطفى حسنى أيضًا كان أحد الدعاة الجدد أو كما يصفه البعض «الداعية مرهف الحس» وهو أحد تلاميذ عمرو خالد، يحظى بعدد كبير من المتابعين يتجاوز 30 مليونا، تبنى حسنى أفكار عرض جديدة فى برنامجه «خدعوك فقالوا»على قناة اقرأ إذ استعرض مجموعة من المانيكانات ترتدى الزى الذى ترتديه معظم الفتيات وأخذ يعدد الأخطاء الشرعية فيها قائلًا: «مفاتنك حلوة أوى، أرجوكى غطيها»! باعتباره أحد المنتمين لما يسمى بجيل الصحوة الإسلامية، هكذا يعتمد معظمهم على التجديد فى الشكل على طريقة برامج المنوعات الهابطة لكسب جماهيرية، لكن بدون مضمون حقيقى.
ظهر علينا معز مسعود، أحد أبرز الدعاة الجدد من الجيل الثالث، لكن بطريقته الخاصة، إذ يسمى نفسه «باحث فى الإلهيات» اختار لنفسه طريقًا جديدًا يعتمد فى خطابه على تقديم وجه عقلانى وليبرالي للدين بدلا من الخطاب المستهلك الذى يخاطب المشاعر لسابقيه، يرى أن لفظ الداعية صار يحمل من الإساءة أكثر مما يحمل من التقدير.
يقدم مسعود نفسه على أنه محارب لظاهرة الإلحاد المنتشرة فى المجتمع بحسب زعمه، بدأت رحلته (بحكم الدراسة) بسلسلة دروس فى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم بدأ الظهور على قناة اقرأ يقدم برامج عن الإسلام باللغة الإنجليزية، وبعد ذلك بدأ رسالته باللغة العربية ببرنامج «الطريق الصح»، لا مانع أيضًا أن يكمل الصورة العقلانية المنفتحة على الآخر بالزواج من ممثلة «متبرجة» ليدلل على منهجه السمح وأن الالتزام يأتى بالتدريج، دخوله أيضًا فى مجال الإنتاج الفنى والبرامج ذات المضمون الدعوى جزء من البحث عن الفن (المحافظ) كما يريدوه.
مع انتشار لغة الأرقام والعلم تولد احتياج جديد لدى الجمهور، لكن سرعان ما خرج علينا دعاة الإعجاز العلمي, ليثبتوا للغرب الكافر أن كل ما تم اكتشافه من علوم نحن نعلمه مما يزيد على قرن من الزمان، كان أبرزهم زغلول النجار, الجيولوجى الذى خرج من مصر بعد الصدام بين عبدالناصر وجماعة الإخوان التى كان أحد أعضائها, أخذ أثناء عمله فى المملكة العربية السعودية يروج لفكرة الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة حتى أصبح أحد المؤسسين لما يسمى بهيئة الإعجاز العلمى فى المملكة.
لكن يبدو أن خطاب زغلول الإعجازى لم يقدر الرد على سؤال طالبة بكلية العلوم  بجامعة فاس المغربية أثناء إلقائه محاضرة هناك عن أهمية الحجاب للمرأة بأنه يقى من آشعة الشمس فوق البنفسجية، فقالت له الطالبة: لماذا لا ترتديه أنت؟!
فى النهاية يرى الكاتب أن وسائل التواصل الاجتماعى التى كانت سببا فى شهرة ذلك الشكل من الدعوة ستكون أيضا سببا فى تراجع تأثير أصحابه فى المجتمع مثلما كانت سببا فى انهيار شعبية جماعة الإخوان الإرهابية، وذلك لما أسهمت به مواقع التواصل الاجتماعى فى زيادة الوعى النقدى لدى الجمهور الذى استهدفه ذلك الخطاب وانتفاء القداسة عن هؤلاء الدعاة رغم محاولتهم إعادة إنتاج خطابهم بشكل أكثر حداثة وتوغل (كما يحاول معز مسعود) لكن ذلك يتوقف على قدرة المؤسسة الدينية على ملء الفراغ وإعادة هيكلة نفسها من الداخل من عدمها. 


بقلم رئيس التحرير

كيف تصنع إرهابيًّا؟!
عندما ظهرت «جماعة الإخوان» فى عشرينيات القرن الماضى، كان أن أسست الجماعة [بامتياز]، أول مشاريع «صناعة الإرهاب&r..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
محمد جمال الدين
وصاية ليست فى محلها !
رشاد كامل
قصة اكتشاف روزاليوسف لمذكرات سعد زغلول!
د. فاطمة سيد أحمد
كيف يحمى الجيش الديمقراطية ؟
هناء فتحى
لماذا تقع الجميلات فى غرام الأوغاد؟!
د. حسين عبد البصير
ملامح الشخصية المصرية
د. مني حلمي
لماذا إذن يحاصروننا بالفتاوى؟

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF